حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

408

التمييز

وهذه حكمة أخرى أودعها اللّه في الأمراض للأجسام ، وتعاقب الأوجاع عليها عند قبض الأرواح لتضعف قوى نفوسهم ، فيسهل خروجها ولو قويت شقّ عليها وصعب فكان أشدّ عليه فيكون أمره عليه أفضى إلى راحة من نصب الدّنيا وأذاها . فإذا تقرر ذلك ظهر أن العلل أثر من آثار الرّحمة ونوع من أنواع النّعمة وإن كان في الظاهر صورة نقمة . وكل شيء إنما يكون خيرا متى كان نافعا ، في بلوغ السعادة . وكلّ ما عاق بوجه ما فهو شرّ إلّا أنّ كما أنّ مرضى الأبدان يخيّل لهم فساد حسّهم فيما هو حلو انّه مرّ / 197 أ / وفيما هو مرّ أنّه حلو فيتصوّرون الملائم انّه غير ملائم ، كذلك مرضى الأنفس يخيّل لهم فيما هي شرور أنّها خيرات وفيما هي خيرات أنها شرور . وأمّا الفاضل بالفضيلة الخلقية فانّما يهوى ويشتاق أبدا الغاية التي هي خيرات في الحقيقة ويجعلها غرضه ومقصوده . والآخر يهوى أبدا الغاية التي هي في الحقيقة شرور ويتخيّلها لأجل فساد حسّه خيرات . والانسان يحتاج أبدا إلى تعقّل ما بالفضيلة التي هي فيه ، ولنذكر رحمة اللّه بالمؤمنين واحسانه إليهم ولطفه بهم وتوسعة فضله لهم بنصّ من القرآن يشمل كل احسان قوله تعالى وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً « 1 » وقوله تعالى وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ « 2 » ، وقوله تعالى وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ « 3 » . ومن الحديث قوله صلى اللّه عليه وسلم « لمّا خلق اللّه الخلق كتب في كتابه وهو عنده فوق العرش إنّ رحمتي تسبق غضبي » « 4 » وفي رواية « سبقت غضبي » وإنّ هذه الرّحمة أجدر أن تنال المؤمن حتّى من آثار الرّحمة المتعلّقة بالمؤمن مغفرة ذنوبه وادخاله الجنّة وإنجائه من النّار ، وقال بعضهم : شعر ( البسيط ) لم أسلم النفس للاسقام تبليها إلا لعلمي بأنّ الوصل يحييها نفس المحبّ على الأسقام صابرة لعلّ مسقمها يوما يداويها / 197 ب /

--> ( 1 ) سورة النساء : آية ( 43 ) . ( 2 ) سورة الكهف : آية ( 58 ) . ( 3 ) سورة الأعراف : آية ( 156 ) . ( 4 ) صحيح مسلم ، ص 2107 - 2108 ؛ مسند ابن حنبل 2 / 258 ، 260 ؛ سنن ابن ماجة ، ص 1435 .